أمّا بعدُ،
فإنّ فقه الوحدة في نصوص الشَّرع، هو مسألةٌ من أدقّ المسائل وأجلِّها، بيد أنّ منظارَ الفقه بدلالته الاصطلاحيّة: أنّهُ (العلمُ بالأحكام الشَّرعيّة العمليَّة، المكتسبِ من أدلتها التفصيلية)1، ليعجزُ عن سبر أغواره، كما يقصُر عن استيعاب ما يقتضيهِ من مظاهر الاجتماع بين المسلمين.
في هذ المقال، نجتهد في نصوص الشّرع، استبصاراً بمنظار الفقه الأصيل، بحثاً عن ما تقتضيه من مظاهر الاجتماع بين المسلمين.
مظاهرُ الاجتماع بين المسلمين:

يُقصد بمظاهر الاجتماع بين المسلمين، الإشارة إلى ما تضمّه نصوص الشرع من الأحكام والآداب الشرعيّة التي روعي في تشريعها أن تجسد مفهوم الوحدة الإسلامية عبر كثيرٍ من الأنشطة التي يتم ممارستها بصورةٍ جماعيّة، فنذكرمنها:
أ: صلاة الجماعة:

ويُعتبر من ابرز مظاهر الاجتماع في الإسلام تشريع صلاة الجماعة، باعتباره الصيغة الأساسيّة الواجبة لأداء الصلوات الخمس، لذا كانت الصلاة أوّل ما فُرض من مظاهر الاجتماع الإسلاميِّ، لتكون هي القاعدة والأساس في تنمية الشعور بالوحدة الإسلامية في نفوس المسلمين.
وتشمل صلاة الجماعة أنواعاً أخرى غير الصلوات الخمس، مثل صلاة الاستسقاء والكسوف والجنائز.
ب: الأخوة بين المسلمين:

ويُعتبر من أهمّ الفروض الجماعيّة بعد الصّلوات الخمسة: فريضة الأخوة الإسلاميّة، وهي أولى الفرائض التي تنبثق تلقائيّاً من حقيقة الوحدة الإسلامية، بيد أنّ الشارع يؤكدها ويضبطها بكثير من الضوابط التي تأتي لتحمي ذلك التكوين الأصليّ الذي تمّ من خلال الصلاة وقراءة سورة الفاتحة، ولذلك ذكر القرآن الكريم الإخوّة الإسلامية على أنها أمر طبيعيّ، يستلزمه الإيمان، فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [الحجرات: 10]، (و"إنّما" أداة حصرٍ فيكون المعنى: لا يكون المؤمن إلا أخاً للمؤمن، فإن ضعفت الأخوّة فمن ضعف الإيمان، كما أنّ قوّتها من قوّة الإيمان)2.
(وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إوَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»3 فعلى معنى: احرصوا يا عباد الله على أخوّتكم، بتصفية نفوسكم وتطهير قلوبكم وقوة إيمانكم، وليس معناه: أنشئوا الأخوّة بينكم؛ لأنها نشأت بالاتفاق في الإيمان والإسلام)4.
ومن المعاني المهمة التي يجدر التنبيه إليها أنّه: ليس (من مستلزمات الأخوة الإيمانية أن تحبّ ذات أخيك المؤمن، فقد لا تكون بينك وبينه مشاكلة وموافقة في ذلك بسبب الشكل أو العادات والتقاليد، أو البيئة والتصرفات العادية، أو غير ذلك ممّا لا يمتّ للدين بصلة، ولكن من مستلزمات هذه الأخوة: أن تُحبّ في أخيك المؤمن إيمانه وعبادته وطاعته ربه، واستسلامه لخالقه، وسلوكه في سبيل الله تعالى)5، أي: أن تربطك به تلك الرابطة المشتركة التي تربطكما معاً بالله تعالى، وما تقتضيه هذه الرابطة من حسن الخلق والمعاملة الطيبة. ونجدته ومواساته.
ت: القيام بالواجبات الاجتماعية:

من المظاهر المهمة للوحدة والاجتماع في الإسلام: نهوض المسلم بما يُفرض عليه من الواجبات الاجتماعية، والمقصود بالواجبات الاجتماعية تلك التي تترتّب نتيجةً لوجود الإنسان في موقفٍ معيّن، يطّلع فيه على حاجة أخيه المسلم للنجدة والمساعدة، فيجب عليه حينئذٍ وجوباً عينياً أن يبادر إلى ذلك، فمن الأدلة التي تدلّ على ذلك:
- سورة الماعون: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} [الماعون: 1]، ففي آياتها الثلاثة الأولى يتقرّر أنّ الّذي يزجر اليتيم، ولا يُبالي بحال المساكين، هو في الحقيقة مكذّبٌ بلقاء الله وحسابه وجزائه. وهي في آياتها الأربعة الأخيرة: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون: 4] وما بعدها، تُبيّن بمفهوم المخالفة: أنّ المؤمن الخاشع في صلاته، لا ريب أنّ صلاته ستدفعه إلى النهوض بواجباته الاجتماعيّة، ففي السورة ربطٌ وثيق بين مصير الإنسان في الآخرة: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ}، وقيامه بواجباته الاجتماعية: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 7].
-قول الله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 30 - 34]، فهذا العذاب الأليم، سببه أمران، جمع بينهما سياقٌ واحد، الأمر الأول: عدم إيمانه بالله العظيم، وهو أكبر ذنبٍ وأعظم جريمة، فقُرِن معه في سياقٍ واحد: عدم حضّه على طعام المسكين، فهاهنا يرفع القرآن (من شأن الواجبات الاجتماعية، ويجعل رتبتها تلي رتبة الإيمان، كما يجعل عدم الإيمان مصدر الشقاء للمجتمع الإنسانيّ)6
-وقول الله تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } [البلد: 11 - 16]، ذكرت هذه الآيات بعد ذكر عددٍ من النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، (فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر الله على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصيه، ولكن هذا الإنسان لم يفعل ذلك. {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} أي: لم يقتحمها ويعبر عليها، لأنه متَّبع لشهواته)7، فهذه العقبة إن تخطّاها قام بحقّ الشكر، وكُتبت له النجاة، فما هذه العقبة التي هي سببٌ للنجاة؟ إنّها أعمالٌ فيها مواساة للفقراء والمساكين، وأداءٌ لما يجب لهم من العون والمساعدة، ثم يقول الله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [البلد: 17، 18] أي: إنّ أفعال المواساة الإنسانيّة هذه رغم أهميتها الكبيرة، لكنها لا تُقبل عند الله إلا بشرط الإيمان، ثم في الآيات دعوة إلى التواصي بالصبر والمرحمة، أي إلى أن ينهض نفرٌ من المؤمنين يتواصون على مرحمة الناس المحتاجين.