اختلف العلماء المعاصرون في حكم التّبرّع بالأعضاء الإنسانية غير المتجدّدة – وذلك بعد اتفاقهم على جواز التّبرّع بالأعضاء الإنسانية المتجدّدة – على أقوال كثيرة؛ أشهرها قولان:
القول الأوّل: عدم الجواز. وممن اشتهر بهذا القول الدكتور حسن علي الشّاذلي, والعلامة ناصر الدين الألباني, والعلامة محمّد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى.
قال العلامة محمّد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى – عند سئل عن حكم التبرّع بالأعضاء الإنسانية للمضطر المحتاج إليها: هذه المسألة صدر فيها فتوى من هيئة كبار العلماء بأنها جائزة، أما أنا فلا أرى الجواز، وذلك لأنّ أعضاء الإنسان عنده أمانة, وقد نصّ فقهاء الحنابلة - رحمهم الله - أنه لا يجوز التبرع بعضو من الأعضاء ولو أوصى به الميت من بعد موته، وإن كان بعض الأعضاء قد يكون النجاح فيها 90 أو أكثر من ذلك؛ لكن المفسدة في نزعها من الأول محققة حتى في الكلى، قد يقوم البدن على كلية واحدة، لكن لا شك أن قيامه على واحدة ليس كقيامه على ثنتين؛ لأن الله لم يخلق شيئا عبثا, ثم هذه الواحدة لو فسدت هلك الإنسان، ولو كانت الكلية المنزوعة موجودة فيه وفسدت الباقية لم يهلك, فلهذا أنا أرى عدم الجواز بخلاف نقل الدم؛ لأن نقل الدم يخلفه دم آخر, ولا يتضرر به المنقول منه, ولا يفقد به عضو[11].
الأدلة:
الدّليل الأوّل: قول الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}[12].
وجه الدلالة: أن الآية الكريمة دلت على تحريم الإلقاء بالنفس في مظان الخطر على النفس بتلف, أو إضعاف من غير مصلحة مقصودة شرعًا غير مرجوة, ونزع الجزء من بدن الحي لزرعه في غيره مما يؤدي إلى إتلاف البدن أو إضعافه لا محالة[13].
ونوقش: بأنّ الزعم بأن التبرّع بهذه الأعضاء ليس فيه مصلحة مقصودة شرعًا باطل؛ بل يعدّ ذلك من قبيل انقاذ المرء المسلم أخاه من الهلاك عند أمنه أيضا الوقوع فيه؛ والانقاذ واجب كفائي؛ إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين, وإذا تركوه أثموا.
قال ابن حزم في المحلّى: ومما كتبه الله تعالى أيضا علينا استنقاذ كل متورط من الموت؛ إما بيد ظالم كافر، أو مؤمن متعد، أو حية أو سبع، أو نار أو سيل، أو هدم أو حيوان، أو من علة صعبة نقدر على معاناته منها[14].
وقال القرافي في الفروق: من مر على حبالة فوجد فيها صيدا يمكنه تخليصه وحوزه لصاحبه فتركه حتى مات يضمنه لصاحبه عند مالك؛ لأن صون مال المسلم واجب, ومن ترك واجبا في الصون ضمن, ومن مر بلقطة وعلم أنه إذا تركها أخذها من يجحدها يضمنها عند مالك إذا تركها حتى تلفت مع قدرته على أخذها؛ لأنه يجب عليه أخذها[15]. وإذا كان هذا الذي ذكره القرافي في الأموال, فما يتعلق بالأنفس البشرية أولى.
وفي التاج والإكليل: واجب على كل من خاف على مسلم الموت أن يحييه بما قدر عليه[16].
الدليل الثّاني: قول الله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}[17].
ويناقش: بأنّه لا يقول أحد من المجيزين بجواز ذلك مع العلم بأن ذلك يؤدّي إلى فوات نفس المتبرع, أو التردد وعدم الجزم بأنّ عملية النقل مضمونة.
الدليل الثَّالث: قول الله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص}[18].
وجه الدلالة: أن الآية أعطت لجوارح الإنسان من الحرمة والمكانة ما أعطته للنفس[19].
الدليل الرّابع: قول الله تعالى : {ولقد كرمنا بني آدم}.
وجه الدلالة: أن الله تعالى كرم بني آدم, والتكريم يقتضي المحافظة على أبدانهم[20].
الدليل الخامس: الاستدلال بمجموعة من القواعد الفقهية المعتبرة وهي كالتَّالية:
القاعدة الأولى: ما جاز بيعه جازت هبته, وما لا يجوز فلا.
القاعدة الثانية: من لا يملك التصرف لا يملك الإذن فيه.
القاعدة الثالثة: الضرر لا يدفع بمثله.
الدّليل السادس: أن الإنسان مملوك لله تعالى فليس له ولاية على هذا الجسم إلا في حدود ما رسمه الشرع, وما أباحه وأجازه له أو عليه.
الدليل السّابع: أن الله تعالى قد أوجب على الإنسان حفظ حياته, وكل جزء من أجزائه, وقرر عقوبة رادعة على كل من اعتدى على هذا الجسم كلاًّ أو بعضًا.
الدليل الثامن: أن الشرع الحكيم قد أوجب على كل من عطل جزءً من جسمه عن العمل ولو في وقت محدد – وهو العقل – عقوبة, فشارب الخمر معاقب بعقوبة شارب الخمر.
وقد ناقش الأستاذ الدكتور عبد الله الطريقي هذه التعليلات الثلاثة الأخيرة فقال: تناقش هذه الأدلة بأن المراد بما دلت عليه في حال الاختيار, وأما في حال الاطرار القاهر الذي يستدعي الانقاذ, فلها حال أخرى, وعند وجود هذه الضرورة يتم التوفيق بين المصالح والمفاسد...[21] .
القول الثَّاني في المسألة: جواز التبرع بها ما لم يترتّب على ذلك ضرر زائد على المتبرع, وبه أفتت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية, وعليه انعقد قرار المجمع الفقهي؛ وهو الصّواب إن شاء الله تعالى.
ويشترط لهذا الجواز شروط؛ من أهمها ما يلي:
الشرط الأوّل: أن لا يوجد دواء أو علاج آخر يقوم مقام هذا العضو.
الشرط الثاني: أن يغلب على ظن الطبيب نجاح العملية.
الشرط الثالث: أن يقتصر ذلك على حالات الضرورة.
الشرط الرابع: أن لا ينقل عضو المعصوم إلى غير المعصور؛ ويجوز نقل عضو المعصوم وغير المعصوم إلى المعصوم.
الشرط الخامس: مرعاة أصول الكرامة الإنسانية وقت إجراء العملية الجراحية.
الشرط السادس: أن لا يكون للعضو المنقول أثر في اختلاط الأنساب.
الشرط السابع: أن لا يتناول صاحب هذه الأعضاء مالا في مقابلها.
الشرط الثامن: أن لا يهمل الطبيب شيئا من واجباته العلمية والشرعية[22].
الأدلة:
الدليل الأوّل: قول الله تعالى {وأحسن كما أحسن الله إليك}[23].
الدليل الثاني: قول الله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}[24].
الدليل الثالث: قول الله تعالى: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا}[25].
الدليل الرابع: قول الله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم}[26]. وقوله تعالى{فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}[27]. وقوله تعالى: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم}[28]. وقوله تعالى: { وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه}[29].
الدليل الخامس: الاستدلال بمجموعة من القواعد الفقهية؛ وهي كالتالية:
القاعدة الأولى: الضرورات تبيح المحظورات.
القاعدة الثانية: الضرر يزال.
القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير.
القاعدة الرابعة: أنه اجتمعت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما.
القاعدة الخامسة: تحقيق أعلى المصلحتين وارتكاب أخف الضررين.
القاعدة السادسة: أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال والأدلة في هذه المسألة تبيّن لنا – والله تعالى أعلم – رجحان القول بجواز التبرع والنّقل؛ إذا توفرت الشروط التي سبق ذكرها؛ وذلك لأن الضرورات تبيح المحظورات, وبهذا القول أفتت اللجنة الدائمة, وعليه انعقد قرار المجمع الفقهي.
فإن قال قائل: إذا حرم البيع كما سبق حرم التبرّع؛ لأنّ الاثنين – البيع والتبرع – يجمعهما كونهما غير مملوكين للإنسان.
والجواب عن هذا الاعتراض هو أن نقول والله تعالى أعلم: بين بيع الإنسان أعضائه, وتبرّعه بها عند الضرورة, فروق عديدة, نذكر منها ما يلي:
الفرق الأوّل: أن في البيع إهانة لهذه الأعضاء التي كرّمها الله سبحانه وتعالى, ووهبها للإنسان من غير مقابل, وليس في التبرع بها عند الضرورة القاهرة إهانة لها؛ بل تشريف لها, وإنقاذ لأعضاء الآخرين.
الفرق الثاني: أن الهدف من البيع الاكتساب والتكثّر؛ بخلاف التبرع, فالهدف منه التعاون على البر والتقوى؛ كما سبق تناول ذلك بالبيان.
نص فتوى هيئة كبار العلماء في هذه المسألة:
وبعد المناقشة وتداول الآراء قرر المجلس بالإجماع: جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حيّ مسلم أو ذمي إلى نفسه؛ إذا ادعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه.
كما قرر بالأكثرية ما يلي:
1- جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.
2 - جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك. وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وآله وسلم[30].
قرار المجمع الفقهي في هذه المسألة:
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية، من 18-23 صفر 1408هـــــ الموافق 6-11 شباط فبراير 1988 م، بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المَجمع، بخصوص موضوع انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً, وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أنَّ هذا الموضوع أمر واقع, فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة، والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته من دون الضوابط والقيود الشرعية, التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار, وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث, وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعاً لها, قرر ما يلي: من ناحية الأحكام الشرعية:
أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أنَّ النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود، أو لإعادة شكله, أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب، أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً .
ثانياً: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.
ثالثاً: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر ، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية .
رابعاً: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.
خامساً: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته, وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها: كنقل قرنية العين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية، فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة .
سادساً: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك، بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له .
سابعاً: وينبغي ملاحظة: أنَّ الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بواسطة بيع العضو؛ إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما,
أما بذل المال من المستفيد؛ ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة, أو مكافأة وتكريماً، فمحل اجتهاد ونظر والله أعلم. انتهى من قرار مجمع الفقه الإسلامي.