الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسَّلام على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:
فإن انتشار هذه المسألة في العصر الرّاهن, يستدعي بيان حكمها الشّرعي؛ حيث وصل الأمر إلى نصب بعض النّاس أنفسهم لهذا العمل، فيتّجرون بالأعضاء البشريّة، ويُساومون عليها؛ كما يساوم البائع في شراء سلعه المعروضة للبيع.
أوّلاً: لا خلاف بين أهل العلم القدامى منهم والمعاصرين – حسب اطّلاعنا المتواضع - في حرمة أمور؛ وبذكرها يتم تحرير محلّ النزاع والخلاف في هذه المسألة؛ وهي كالتّالية:
الأمر الأوّل: لا خلاف بين أهل العلم الموثوقين بعلمهم في حرمة بيع أو نقل الأعضاء التي تتوقّف عليها الحياة؛ ولو كان من الممكن عيش وبقاء المنقول منه بعد النقل.
قال الدكتور يوسف الأحمد: أخذ الأعضاء التي تتوقف عليها حياة الإنسان من الحيّ اعتداء واضح عليه، وإزهاق لنفسه، والأنظمة العالمية المعلنة تمنع من ذلك.
ثم قال: ونقل هذه الأعضاء من معصوم الدم محرم بالإجماع؛ مسلما كان ذلك المعصوم أو كافرًا[1]؛ لأن نقلها منه قتل له؛ وقتله إثم عظيم في الإسلام, قال الله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}[2][3].
وقال الدكتور مصطفى النزهي: جميع المبيحين لنقل الأعضاء لم يجيزوا نقل كبد أو قلب من آدمي إلى آخر؛ إذ أن في ذلك هلاك للأوّل[4].
الأمر الثَّاني: ولا خلاف بينهم في حرمة نقل الأعضاء التي تؤثّر سلبيًّا في المنقول إليه؛ أو تحمل الصّفات الوراثيّة؛ كالخصية أو المبيض.
قال الدكتور مصطفى النزهي: جميع الفقهاء اتفقوا على عدم جواز نقل الخصية أو المبيض؛ لأنهما يحملان الصّفات الوراثيّة؛ فيحرم النقل مطلقًا منعًا لاختلاط الأنساب[5].
الأمر الثَّالث: كما أنه لا خلاف بين علمائنا المعاصرين في جواز نقل الأعضاء المتجدّدة في جسم الإنسان, كالدّم وأمثاله؛ إذا دعت إلى ذلك ضرورة قاهرة, وحاجة ماسة؛ وقد صرّح بجواز ذلك عدد كثير من علمائنا المعاصرين – من المبيحين للتبرع بالأعضاء غير المتجدّدة, والمانعين – ومن أشهر من صرّح بجواز ذلك: العلامة عبد العزيز بن باز, والعلامة محمد بن صالح العثيمين, والعلامة صالح الفوزان وغيرهم.
قال الدكتور يوسف الأحمد: لم أقف بعد البحث على من قال من أهل العلم المعاصرين بمنع نقل الدم؛ حتى القائلين بإغلاق باب التبرع بالأعضاء استثنوا التبرع بالدّم.
وعليه فإنه يمكن أن يقال بأن نقل الدم لدفع الضرر, ورفع الحرج عن المعصوم؛ بالشروط التي قررها العلماء والأطباء, جائز باتفاق العلماء المعاصرين الذين لهم بحوث, أو فتاوى منشورة[6].
ثم قال: ولم أقف بعد البحث على من قال من أهل العلم المعاصرين بمنع نقل الجلد الذاتي. وعليه فإنه يمكن أن يقال بأن نقل الجلد الذاتي لدفع الضرر, ورفع الحرج عن المريض؛ بالشروط التي قررها العلماء والأطباء, جائز باتفاق العلماء المعاصرين الذين لهم بحوث، أو فتاوى منشورة حول هذه المسألة[7].
ثانيًا: محلّ الخلاف في المسألة.
اختلف علمائنا المعاصرون بعد اتّفاقهم على الأمور الثَّلاثة السّابقة في مواضع كثيرة تتعلّق بهذه المسألة؛ أشهر هذه المواضع الأربعة:
الموضع الأوّل: حكم بيع الأعضاء الإنسانية المتجدّدة وغير المتجدّدة.
الموضع الثَّاني: حكم التّبرّع بالأعضاء الإنسانية غير المتجدّدة.
الموضع الثَّالث: حكم نقل الأعضاء من المحكوم عليه بالقتل.
الموضع الرَّابع: حكم نقل الأعضاء من الميّت.
أمّا الموضع الأوّل: وهو حكم بيع الأعضاء الإنسانية المتجدّدة وغير المتجدّدة.
نقول وبالله التّوفيق: الذي عليه جمهور وأكثر أهل العلم هو حرمة الاتجار بالأعضاء البشريّة؛ بمعنى أنّه لا يحل بيع هذه الأعضاء بهدف الكسب والتّجارة؛ وبذلك أفتت اللجنة الدائمة, وعليه انعقدت قرارات المجامع الفقهيّة المعتبرة.
ونسب إلى بعض المعاصرين القول بجواز بيع الأعضاء الآدمية، وممَّا نسب إليهم هذا القول هم: الدكتور محمد نعيم ياسين، والدكتور أحمد محمود سعيد, والدكتور عبد القيوم محمد صالح.
قال الدكتور محمد نعيم ياسين: يجوز بيع الأعضاء الآدمية للحاجة؛ وأنّه ما دامت الحاجة هي مبرر الحكم بالجواز[8].
وقد عدّ أكثر العلماء المعاصرين الخلاف في حرمة بيع الأعضاء البشريّة شذوذا؛ وأنّه خلاف بعيد عن الاعتبار، إلى درجة أنّ أكثر المؤلفين في هذا الباب حكوا الإجماع على حرمة هذا البيع؛ تغليبًا لما عليه الأكثرون، وتضعيفًا للرأي المخالف، وهو الحق والصّواب إن شاء الله تعالى.
قال الدكتور مصطفى النزهي: جميع المبيحين لنقل الأعضاء اتفقوا على عدم جواز أخذ أي مقابل مادي أو غيره, ولا ينظر إلى من شذّ في تلك المسألة[9].
وقال الأستاذ الدكتور عبد الله الطريقي: جمهور أهل العلم على عدم صحّة بيع أعضاء البشر؛ بل إن ذلك يكاد يكون إجماعًا[10].
وأمّا الموضع الثَّاني: حكم التّبرّع بالأعضاء الإنسانية غير المتجدّدة.
يتبع الحلقة الثانية