حجِّيَّة الاستصحاب:

يقول الدكتور عبد الكريم النملة: (لقد ثبت بعد الاستقراء والتتبع لكلام العلماء، في كتب الأصول والفقه أن النوع الرابع - وهو: استصحاب حكم العموم حتى يرد ما يخصِّصه، واستصحاب النص حتى يرد ما ينسخه - متفق عليه)[21]. أي متّفقٌ على حجّيّته، ويُضاف إلى هذين النوعين النوع الأول الذي ذكرناه، وهو استصحاب البراءة الأصليّة، أو استصحاب العدم الأصليّ، عند عدم وجود الدليل الشرعيّ، فإنّه كذلك متفق على حجيته[22]. أمّا الأنواع الأخرى، فكانت حجّيّتها محلّ خلافٍ بين الأصوليّين والفقهاء، وفيما يلي نقف على هذا الخلاف.

1/ الخلاف حول استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع:

ثار الخلاف بين الفقهاء، حول هذا النوع من الاستصحاب، فاختلفوا فيه على قولين:

القول الأول: قول القائلين بعدم حجّيّته:

وهم جمعٌ كبيرٌ من العلماء، (منهم: الغزالي، والقاضي الباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن الصَّبَّاغ، وابن عقيل،

وأبو الخطاب وشيخهما أبو يعلى، وأبو الطيب الطبري، وغيرهم)[23].

ولأن الإجماع على صحة الصلاة بالتيمم مشروط بعدم الماء، فإذا انتفى هذا الشرط انتفى الإجماع، وكذا في بيع الأمة، الإجماع على جوازه مشروط بعدم الاستيلاد فإذا وجد الاستيلاد انتفى الإجماع.

وحجّتُهم في عدم حجّيّته بالنظر إلى المثالين اللذين أثبتناهما أعلاه، هي: أنّ الإجماع كان قائماً على صفةٍ معيّنة (عدم الماء، عدم الاستيلاد)، وتغيّرت هذه الصفة إلى عكسها وهو وجود الماء، فإثباتُ حجية هذا النوع (يؤدي إلى التسوية بين موضع الاتفاق وموضع النزاع، وهما مختلفان)[24].

القول الثاني: قول القائلين بحجّيّته:

(وهو مذهب ابن حامد، وابن شاقلا، والمزني، والصيرفي، وأبي ثور، وداود الظاهري، وابن سريج، وابن خيران، وأبي

الحسين القطان)[25]. ودليلُهم على ذلك: أنّ طريان أو طروء وجود الماء لن يؤثر في صحة الصلاة، لأنّها قد انعقدت ابتداءً على عدم وجوده.

ورُدّ عليهم بأنّ هذا مخالفٌ لحقيقة الاستصحاب وهي: بقاء ما كان على ما كان حتى يأتيَ دليلٌ يغيّر الحالة.

ويبدو أن نقطة النزاع بين الطرفين، صارت تتمثل في هذا السؤال: وهو هل هذا التغيير بوجود الماء بعد فقده، كافٍ لإزالة الحكم الأول؟

وهذا الخلاف بين الطرفين، كما يبدو خلافٌ معنوي، ليس لفظيّاً، إذ يترتّب على كلٍّ منهما نتائج جوهريّة.

2/ الخلاف حول أنواع الاستصحاب الأخرى:

ثار الخلاف بين الأصوليّين فيما يتعلّق بالأنواع الأخرى على عدة أقوال:

القول الأول: قول القائلين بحجية الاستصحاب في الإثبات والنّفي:

يقول الدكتور عبد الكريم النملة: (جميع أنواع الاستصحاب السابقة حجة في ثبوت الأحكام وعدمها؛ لأن استصحاب الحال يفيد بقاء الحكم إلى الزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل بالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به).

قال: (ولأنَّ الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول الزوجية ابتداءً حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في حصول الطلاق مع سبق العقد جاز له الاستمتاع، ولا يوجد فرق بينهما إلا أن الأول قد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - وهي: عدم الزوجية وحصول العقد، وأما الثاني فقد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك -وهي العقد عليها- فلو لم يعتبر الاستصحاب، وكان غير مفيد لظنِّ البقاء للزم استواءُ الحالين: التحريم والجواز، وهو: حرمة الوطء أو إباحته، وهو: باطل بالإجماع)[26].

وهو مذهب جمهور العلماء.

القول الثاني: قول القائلين بعدم الحجية في الإثبات والنّفي:

وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية، ويستدلُّون على ذلك:

أولاً: بأنّ الأحكام الشرعية من الحل والحرمة، لا تثبت إلا بدليلٍ نصبه الشارع، من نصٍّ وإجماع وقياس، وليس الاستصحاب من هذه، فلا يجوز الاستدلال به في الشرعيّات، فأجيب عليهم بـ: (أنّ وجوب نصب دليل من الشارع، يصح في إثبات الحكم ابتداءً، أما بقاؤه فيكفي فيه الاستصحاب)[27].

ثانياً: بأنّه (لا يوجد ظنٌّ في بقاء الشيء على ما كان مع جواز القياس، فإنه يجوز أن يقع قياسٌ بنفي حكم ما كان)، وأجيب عليهم، بأنّا (نقول بأن الاستصحاب لا يُستدلّ به ولا يُفيد ظنَّ الحكم عندنا، إلا بعد استقراء الأدلة المتَّفق عليها، وهي: الكتاب، والسّنَّة، والإجماع، والقياس، وعدم وجدان ما يعارض الأصل)[28].