أنواع الاستصحاب:

ممّا سبق يتبيّن لنا أنّ مفهوم الاستصحاب، يقوم على فكرةٍ منطقيّةٍ واضحةٍ، ولدى التّأمّل فيها، يُمكن تلمُّس بعض أنواعه، يقول ابن رشد: (والاستصحاب في هذه الصناعة يُطلق على وجوهٍ: أحدها استصحابُ البراءة الأصلية ... والثاني استصحاب العموم حتى يرد تخصيص. والثالث استصحاب النص حتى يرد نسخ. والرابع استصحاب حكم عند أمر قرنه الشرع به لتكرر ذلك الأمر. والخامس استصحاب الإجماع, أو بالجملة: الحكم الشرعي الثابت بالنقل في موضع يظن أن المحكوم عليه قد تغير حكمه لتغيره في نفسه)[8]، فيما يلي نستعرض هذه الأنواع:

النوع الأول: استصحاب البراءة الأصليَّة:

هذا النَّوع يتعلّق بجانب العدم والنّفي، لا بجانب الوجود والإثبات، وهو أكثر الأدلّة الشّرعيّة عموماً، ذلك أنّ الأحكام الشرعية الخمسة، إنّما تتعلّق إمّا بفعلٍ معيّنٍ وإمّا بالكفّ عنه، ففي هذا النوع لم يثبت وجود فعلٍ أصلاً، فم يبق إلا البناء على العدم المطلق، والحكم بموجبه: أي: (استصحاب العدم الأصليّ المعلوم) [9]، وبالتالي لا يكونُ هناك أيُّ التزامٍ من هذه الجهة على عاتق المكلّف، أي سواءٌ كان من حقوق الله تعالى، أو كان من حقوق العباد، فيكون معنى استصحاب البراءة الأصليّة: الحكمَ بـ (براءة ذمَّة الإنسان من التكاليف الشرعية والحقوق المالية)[10]، ما لم يقم دليلٌ على خلاف ذلك، فهنا يُقال: (عدمُ الدليلِ دليلٌ على البراءة)[11].

أو كما قال الغزالي: (النَّظَرُ فِي الْأَحْكَامِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي إثْبَاتِهَا أَوْ فِي نَفْيِهَا، أَمَّا إثْبَاتُهَا فَالْعَقْلُ قَاصِرٌ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَالْعَقْلُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَرِدَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ بِالْمَعْنَى النَّاقِلِ مِنْ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَانْتَهَضَ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ الشَّطْرَيْنِ وَهُوَ النَّفْيُ)[12].

ومن التطبيقات المُهمَّة التي تستندُ إلى هذا الدليل القاعدةُ الفقهيّة الكبيرة: (الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه)[13].

النَّوع الثاني: استصحابُ العموم حتى يرد تخصيص:

يتلخص هذا النوع فيما ذكره الباحث بلقاسم الزّبيدي من قوله: (فإذا ورد نصٌّ عامٌّ، فإنه يشمل جميع الأفراد الداخلة تحته, وإذا وقع النزاعُ في بعض أفراده: هل يدخل تحت العموم أو هو مخصوص؟ وبحث المجتهد فلم يجد المُخصِّص, فإنَّ الأصل استصحاب حُكْم العام في المُتنازَع فيه، حتى يثبت بالدليل تخصيصه، ...، ومثاله: وجوبُ قطع يد الزوج إذا سرق مال زوجته؛ استصحاباً للعموم الوارد في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فالعموم يقتضي وجوب القطع في كلِّ ما يُسمَّى آخذه سارقاً)[14].

النَّوع الثّالث: استصحاب النّص حتى يرد نسخ:

ومعناه: (العملُ بالنص من كتاب أو سنة، حتى يرد دليلٌ ناسخ)[15].

النَّوع الرَّابع: استصحابُ حكمٍ عند أمرٍ قرنه الشَّرع به لتكرّر ذلك الأمر:

وهو الذي سمّاه الغزاليّ في المستصفى بـ (اسْتِصْحَاب حُكْمٍ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ)، ومثاله: (كَالْمِلْكِ عِنْدَ جَرَيَانِ الْعَقْدِ الْمُمَلَّكِ، وَكَشَغْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ جَرَيَانِ إتْلَافٍ أَوْ الْتِزَامٍ، فَإِنَّ هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا أَصْلِيًّا فَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ جَمِيعًا، وَلَوْلَا دَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَى دَوَامِهِ إلَى حُصُولِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لَمَا جَازَ اسْتِصْحَابُهُ)[16].

النَّوع الخامس: استصحاب الإجماع في محلّ النزاع:

(وهو: أن يُجمع العلماء على حكم في حالة، ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، فيستدلُّ من لم يغيِّر الحكم باستصحاب الحال)[17]، وهو ما أشار ابن رشد إلى المبدأ العام الذي يشمله، بقوله: (أو بالجملة: الحكم الشَّرعيُّ الثابت بالنَّقل، في موضعٍ يُظنّ أن المحكوم عليه قد تغير حكمه لتغيُّره في نفسه)[18].

و(مثاله: إذا تيمم من فقد الماء ثم شرع في صلاته وفي أثنائها رأى الماء أو قدم به خادمه، هل تصح صلاته إذا استمر فيها؟ فمن قال بصحة صلاته استدل باستصحاب الإجماع في موضع الخلاف فقال: صحة صلاة من تيمم لفقد الماء ثابتة بالإجماع حتى يدل دليل على أن رؤية الماء في أثناء الصلاة مبطلة لها، ولا دليل على ذلك.)[19].

(ومن أمثلة هذا النوعِ: قولُ الظاهرية ومن وافقهم: يجوز بيع أم الولد لأن الإجماع منعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل أن يطأها سيدها وتنجب منه)[20].