دليل الاستصحاب (1)

فإنّ الاستصحاب معدودٌ في الأدلة الشرعية المختلف حولها، ولسوف نرى عبر عناصر هذا المبحث: أنّ الاستصحاب وإن كان من أدلة الفقه وأصوله المختلف حولها، فلا خلاف حول كونه آليّة منهجيّة أصوليّة، يتوسل بها الأصوليّ والفقيه إلى معرفة الحكم الشرعيّ.

معناه في اللغة:

الاستصحاب مشتقٌّ من مادّة "الصَّاد وَالْحَاء وَالْبَاء"، وهذه المادة ترجع إلى أَصْلٍ معنويٍّ وَاحِد (يَدُلُّ عَلَى مُقَارَنَةِ شَيْءٍ وَمُقَارَبَتِهِ). قالوا: (وَكُلُّ شَيْءٍ لَاءَمَ شَيْئًا فَقَدِ اسْتَصْحَبَهُ)[1].

وبناءً على ذلك فالمفهوم اللغويّ للاستصحاب يدلُّ في عمومه على علاقة اقترانٍ وملازمةٍ بين شيئين:

-(مِنْ ذَلِكَ: الصَّاحِبُ، وَالْجَمْعُ: الصَّحْبُ)، فهاهنا علاقة اقترانٍ بين هذا الصّاحب ومن يصحبه،

-(وَمِنَ الْبَابِ: أَصْحَبَ فُلَانٌ، إِذَا انْقَادَ)، أي أصبحت ملازمتُه لصحبه أقوى،

-كما قالوا: (وَأَصْحَبَ الرَّجُلُ، إِذَا بَلَغَ ابْنُهُ)، أي: فصار هذا الابنُ في مقام أن يكون صاحبَ أبيه وصديقه.

-(وَيُقَالُ: أَصْحَبَ الْمَاءُ، إِذَا عَلَاهُ الطُّحْلَبُ)، أي: فصار مقترناً به لازماً له.

ويُلحظ في مفهوم الاستصحاب اللّغويّ: أنّ للزّمن دوراً فيه، فهو يمتدّ زمنيّاً ما بين حدّين:

الأول: حدٌّ في الماضي، ليس مهمّاً تحديد بدايته (النموذج الأول)، أو بدايته محدّدة بالدلالة العامّة للفعل الماضي (كما في النماذج التالية).

الثَّاني: حدٌّ في الحاضر، غيرُ مصرّحٍ به، لكنه مفهومٌ (كما في كلّ النماذج)[2].

معناه في الاصطلاح:

أما معنى الاستصحاب في الاصطلاح عند الفقهاء والأصوليّين، فإنّه لا يخرج عن معناه في اللّغة، سوى أنّ العنصرين المقترنين فيه: أحدهما (محكومٌ عليه) والثاني (حكم)، فيُقال في تعريفه: (هو الحكمُ بثبوت أمرٍ في الزَّمان الثاني، بناء على أنه كان ثابتاً في الزَّمان الأول)[3].

أي: (أنه إذا ثبت حكمٌ بدليلٍ معيَّن، في وقت معيَّنٍ، يبقى ذلك الحكمُ ثابتاً حتى يرِد دليلٌ يرفعه)[4].

أو بعبارةٍ أخرى: (إنَّه استدامةُ إثبات ما كان ثابتاً، أو نفي ما كان منفيًّاً حتى يقوم دليلٌ على تغيير الحالة، أي: بقاء ما

كان على ما كان نفياً وإثباتاً، حتى يثبت دليلٌ يغير الحالة)[5].

إذن، فالاستصحاب في مفهومه الأصوليّ: يتعلّق بالحكم على شيءٍ معيّنٍ في الزّمن الحاضر، مع الاحتجاج لصحة هذا الحكم بأنّه هو الحكم نفسُه الذي كان يتّصف به هذا الشيء المعيّن في الزمن الماضي، ولم يطرأ عليه شيءٌ يُزيله، فهذا الاقتران المستمر بين هذين الشيئين، هو سببُ ثبوت هذا الحكم.

فإذا مرّت بنا مسألة: هل يتّصف فلانٌ بصفة الطَّهارة التي هي شرطٌ لصحة الصَّلاة؟

فالجواب بناءً على مفهوم الاستصحاب، يكون كالتالي: إذا ثبت أنّ فلان هذا قد توضَّأ في زمنٍ مضى، ولم يطرأ على وضوئه إلى هذه اللحظة ما ينقضه ويُزيله، فنحكم بطهارته استصحاباً للحال الأول.

فبناءً على ذلك يتّضح لنا أنّ الاستصحاب: (معنَى مستقرٌّ في تصرُّفاتِ جميعِ النَّاسِ، فإنَّهُم إذا علمُوا وجودَ أمرٍ بنَوا أحكامَهُم فيما يتَّصلُ بذلكَ الأمرِ على أنَّهُ موجودٌ حتَّى يقومَ بُرهانٌ على ضدِّ ذلكَ، وإذا علموا عدَمَ شيءٍ كانَ عدمُه هو الأصلَ حتَّى يثبُتَ وجودُهُ)[6]، ولذلك سمّاه بعضهم دليل العقل.

ورغم كون الاستصحاب يعتمد على مفهوم الأصل والأولويَّة، إلا أنّه آخرُ مدار الفتوى، كما (قَالَ الْخُوَارَزْمِيُّ فِي "الْكَافِي": وَهُوَ آخِرُ مَدَارِ الْفَتْوَى، فَإِنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ حَادِثَةٍ، يَطْلُبُ حُكْمَهَا فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ فِي السُّنَّةِ، ثُمَّ فِي الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَيَأْخُذُ حُكْمَهَا مِنِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي زَوَالِهِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي ثُبُوتِهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُ ثُبُوتِهِ)[7].