وما التعاقدات التي تمت وتتم بين بنوكنا الإسلامية (كشركة الراجحي المصرفية، وبنك البلاد، وبنك الإنماء وغيرها) مع البنوك العالمية الكبرى، بالشروط والضوابط الشرعية التي تفرضها بنوكنا الإسلامية إلا شاهد حي على ذلك، حيث تنص هذه الاتفاقيات والتعاقدات على منع أخذ الفوائد الربوية أو دفعها، وتلزم بالتحاكم إلى الشريعة الإسلامية، أو على الأقل إبطال ما يخالف الشريعة الإسلامية من الأحكام التي تصدرها محاكم غير إسلامية.
بل إن بعض هذه البنوك الغربية له فروع إسلامية متكاملة في بعض الدول الخليجية والإسلامية والغربية. وليس بعيداً عن أذهاننا إنشاء البنك الإسلامي البريطاني، الذي تبنته الحكومة البريطانية قبل سنوات، وأُدرج تحت مظلة البنك المركزي البريطاني، أسوةً بغيره من البنوك، من أجل خدمة الجالية المسلمة هناك، واستجلاب الاستثمارات الإسلامية إلى بريطانيا، بل والسعي لجعل لندن ـ كما صرح عمدتها، ثم رئيس وزرائها ـ مركزاً للاقتصاد للإسلامي، وقبلة للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية!! إنهم يفعلون ذلك من أجل الدنيا وتحصيل المكاسب المادية العاجلة، ونحن نفرط بذلك أو نتباطأ عن القيام به فنخسر الدنيا والآخرة، ونحرم رضى الله ورضى الناس!!
6ـ توفر فرص العمل، وحل كثير من مشكلات البطالة حين تتوفر البدائل الشرعية، وتتدفق تلك الاستثمارات الخارجية.
ثالثاً: الوسائل المقترحة لاستكمال أسلمة الاقتصاد:
1ـ وضع خطة عملية لإيقاف التعامل الربوي بجميع صوره وأشكاله، سواء أكان في القطاع العام أم الخاص، ومتابعة الجهات المعنية لتنفيذها خطوة خطوة.
2ـ إيجاد نظام خاص بالبنوك الإسلامية ضمن مؤسسة النقد العربي السعودي، أسوة بعدد من الدول الإسلامية كماليزيا وإندنوسيا والإمارات والبحرين والكويت وغيرها، التي سبقتنا في هذا المجال، ونجحت في تقوية البنوك الإسلامية، وحل مشكلاتها، وبخاصة مسألة مراقبة هذه البنوك والتأكد من التزامها بما تقدمه من تعاملات ومنتجات إسلامية، ومسألة حل المنازعات المصرفية بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية.
3ـ العمل على تفعيل التعامل بالأدوات والمنتجات المجازة شرعاً، وهي كثيرة متنوعة، وجرى تطبيق كثير منها في عدد من بنوكنا وشركاتنا المحلية، كما طبقت في عدد من دول العالم الإسلامي، بل وبعض الدول الغربية.
ومن أهم هذه المنتجات ما يأتي:
أ ـ بيوع التقسيط بضوابطه الشرعية.
ب ـ بيوع المرابحة للآمر بالشراء.
ج ـ بيوع التورق الشرعي.
د ـ التأجير مع الوعد بالتمليك.
هـ صناديق الاستثمار في المعادن والبضائع والأسهم والعقارات وغيرها.
و ـ إشراك العملاء في أرباح البنك من خلال فتح الحسابات الاستثمارية التي يكون لها خصائص الحساب الجاري من حيث الإيداع والسحب والتحويل وغيرها.
زـ إصدار الصكوك الشرعية المبنية على عقود الإجارة، أو الاستصناع أو المشاركة أو غيرها من العقود الشرعية، والتي من خلالها تُحل كثير من المشكلات القائمة، كمشكلة المباني المستأجرة، ومشكلة المشروعات التي تضطر الدولة أو الشركات الكبيرة إلى تمويلها عن طريق القروض أو السندات الربوية، وهذه الصكوك هي البديل الشرعي الناجح للسندات المحرمة، كما أنها تعطي الفرصة للمواطنين من أجل المشاركة في هذه الصكوك وتداولها، مما ينشأ عنه تفعيل الحركة التجارية، وتنمية الاقتصاد الوطني.
4ـ تنقية الشركات المساهمة من التعامل الربوي إقراضاً واقتراضاً، حيث لا حاجة تدعو إلى الإصرار على الحرام واستمرائه مع وجود البدائل الشرعية الكثيرة التي تغني عن أكل الربا وإيكاله، سواء أكان ذلك في مجال التمويل أم الاستثمار.
5ـ تصحيح المسار للوائح التأمين وتطبيقاته، بحيث تصبح تلك اللوائح والتطبيقات محققة للتأمين التعاوني المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، بعيدة عن الربا، والمقامرة والغرر، وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا هو ما نصت عليه فتوى هيئة كبار العلماء، والمجامع الفقهية، ونظام التأمين الصادر من مجلس الوزراء، والهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية، حيث أباحت التأمين التعاوني ومنعت التأمين التجاري، وبذلك لا يحصل تعارض بين الفتوى والتطبيق، مما يسهم إسهاماً كبيراً في نجاح صناعة التأمين، كما أن التأمين التعاوني يغطي بطريقة شرعية مجالات مهمة لا يغطيها التأمين التجاري المحرم، وذلك كالتأمين على الحياة، والتأمين على الديون، وغيرها.
كما أنه يمكن للدولة أن تشارك في التأمين التعاوني، وتعمم نفعه على جميع المواطنين، وهذا هو المعمول به في عدد من دول العالم الغربي، مثل كندا، وبريطانيا، واستراليا، وغيرها، حيث أخذت بهذا النوع من التأمين ـ وبخاصة في مجال التأمين الصحي ـ نظراً لأهميته وعموم فائدته.
ومن جهة أخرى فإن مشاركة الدولة في شركات التأمين التعاوني من شأنه أن يحقق مصلحة غايةً في الأهمية، ألا وهي الحد من استنزاف الأموال الطائلة ونزوحها إلى كبريات شركات التأمين العالمية عبر ما يسمى بإعادة التأمين، الذي تضطر إليه شركات التأمين التجاري.
6ـ أن يكون لدى القائمين على مؤسسة النقد، وهيئة سوق المال، والإدارة الخاصة بالتأمين قناعة كاملة بضرورة أسلمة الاقتصاد، والتخلص من الربا في جميع مؤسساتنا العامة والخاصة، لأنه إن كانت لديهم هذه القناعة فسيجدون من الحلول والبدائل الشرعية الناجحة والمربحة ما يغنيهم عن الاستمرار على الربا وإقراره، وسيجدون من المختصين في الشريعة، وفي الاقتصاد الإسلامي، والخبراء في هذا المجال من السعوديين وغيرهم من يُعينهم على الوصول إلى هذه الغاية، وتحقيق هذا المطلب الملح.
7ـ تكوين لجنة تجمع عدداً من المختصين الشرعيين والاقتصاديين والفنيين تُعنى بحصر التعاملات الربوية الموجودة واقتراح البدائل والحلول الشرعية، ليكون ذلك خطوة عملية في الطريق الصحيح، ويمكن لتلك اللجنة أن تعقد حلقات نقاش أو ندوات أو غيرها، وأن تستفيد من تجارب الدول الإسلامية التي سبقتنا في تحقيق هذا الهدف.
8ـ توجيه المؤسسات المالية المختصة، وعلى رأسها مؤسسة النقد، وهيئة سوق المال، والإدارة المشرفة على التأمين، للعمل بالصيغ الشرعية، واستقطاب القدرات والكفاءات المتميزة، التي تجمع بين الحرص الشرعي والولاء الوطني والقدرات المتميزة في هذا المجال.
9ـ تكوين هيئة شرعية في كل من مؤسسة النقد، وهيئة سوق المال، والإدراة المختصة بالتأمين، لأجل المساهمة الفاعلة في تحقيق الخطوات السابقة.
10ـ المقاطعة الجماعية للاكتتاب أو المساهمة في البنوك والشركات التي تتعامل بالربا، مما يحملها على أسلمة معاملاتها والتخلص من التعاملات الربوية والتجاوب مع رغبات أبناء هذا الوطن المبارك الذين يفخرون بتطبيق الشريعة الإسلامية والتحاكم إلى الكتاب والسنة النبوية.
هذا وأسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل، ويلهمنا رشدنا، ويعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ويغنينا بالحلال عن الحرام، وألا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، وأن يوفق ولاة أمورنا وسائر ولاة المسلمين للعمل بكتابه المبين، وتطبيق شريعته التي أنزلها رحمة للعالمين. والحمد لله رب العالمين.
الحلقة 4