حلول علمية للمشكلة الربوية (3)

ولقد استمرأت أكثر دول العالم المعاصر أكل الربا والتعامل به، وأقامت عليه مؤسساتها الاقتصادية، وحاولت ولا تزال تحاول إقناع الآخرين بأنه لا اقتصاد بدون بنوك، ولا بنوك بدون ربا، والمؤسف أن هذه النظرية الخاطئة الظالمة، المصادمة لشريعة الله تعالى وحكمه انتشرت في البلاد الإسلامية، واقتنع بها فئام من المسلمين، حتى رأينا من يزعم أن الربا ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وسعى بها أقوام تلو أقوام (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً)، حتى انتشر الربا في بلاد المسلمين، وقامت البنوك الربوية التي تعلن الربا صراحة، بلا مواربة ولا خجل، ولا خوف من الله عز وجل، كما تقحمته أيضاً كثير من الشركات المساهمة، التي أصل نشاطها حلال، ولكنها خلطت الحلال بالحرام، فاقترضت بالربا، أو استثمرت سيولتها الفائضة بفوائد ربوية، أو جمعت بين السيئتين، مع أن في المنتجات الإسلامية ما يغنيها عن التعامل بالربا، سواء في مجال التمويل أم الاستثمار.
ولما ظهر ذلك لعموم الناس، وهم مساهمون في هذه الشركات، أو يرغبون المتاجرة في أسهمها وقعوا في حرج شديد، وبلبال مستمر، وعجب لا ينقضي، فالغالبية العظمى من أهل هذه البلاد الطيبة يدركون خطورة الربا ويستبشعونه، ويريدون الرزق الحلال الذي أباحه الله تعالى لهم، ومعظم هذه الشركات مع الأسف مبتلاة بالربا أخذاً وإعطاء، بما تمارسه من قروض واستثمارات ربوية.
وهكذا اضطرب أمر الناس، ولحقهم الحزن والحرج، فمنهم من هرب بماله خارج هذه البلاد ليستثمرها في بنوك وشركات إسلامية في بعض الدول الخليجية أو غيرها من البلاد الإسلامية، ومنهم من حُرم من التكسب والمساهمة في هذه الشركات اكتتاباً أو متاجرة.
ويتساءل هؤلاء الناس بحرقة وعجب: ما الذي يلجئ هذه الشركات ـ التي هي في الأصل ملك لعموم الناس ـ إلى المعاملات الربوية؟ مع وجود البدائل الشرعية لكل ما تريده هذه الشركات من تمويلات واستثمارات، بمنتجات إسلامية كثيرة لا تقل فوائدها لهذه الشركات عن الفوائد التي يجنونها عن طريق القروض والاستثمارات الربوية، بل إن نجاح هذه المنتجات الإسلامية، وكثرة أرباحها، وشدة الإقبال عليها في البلاد الإسلامية وغيرها حمل كثيراً من البنوك الغربية إلى فتح نوافذ إسلامية تسوق هذه المنتجات الإسلامية؛ لأنها مربحة لهم أكثر من المنتجات الربوية، كما أنها تستقطب كثيراً من العملاء المسلمين من الغربيين وغيرهم. أفيكون أولئك الغربيون أعرف برغبات المستثمرين المسلمين، وأحرص على استقطابهم وكسب ثقتهم، والاسترباح من معاملتهم بتوفير هذه المنتجات الإسلامية لهم من كثير من شركاتنا وبنوكنا التي لا تزال تصر على المعاملات الربوية، وتهمل الاستفادة من هذه المنتجات الإسلامية، فتخسر الدنيا والآخرة.
نعم إن المرء ليعجب من هذه البنوك والشركات! كيف لا تتوافق مع الأحكام الشرعية والأنظمة القائمة، ومع الرغبة الشعبية العارمة؟ لا سيما أن هذا التوافق سيجلب لها المزيد من الثقة والمصداقية، وإقبال الناس عليها واستثمارهم فيها، مع ما يحصلونه من الأجر والمثوبة، ومباركة الله تعالى إياهم، وفتحه أبواب الرزق لهم.
ثانياً: أهمية استكمال أسلمة الاقتصاد السعودي:
لقد قطعت كثير من البنوك والشركات السعودية شوطاً طيباً في مجال الأسلمة وتسويق المنتجات الإسلامية، ومما يثلج الصدر أن جميع بنوكنا ولله الحمد يوجد فيها هيئات شرعية، أو عندها على الأقل مستشار شرعي، بل إن فروع البنوك الغربية التي فتحت في المملكة يوجد في أغلبها نوافذ ومنتجات إسلامية، وهذا أمر يبشر بخير، ويشجع على التطلع إلى استكمال أسلمة الاقتصاد السعودي، واستبدال المنتجات والتعاملات الربوية بالمنتجات والتعاملات الإسلامية، التي هي أطهر وأزكى، وأقوى وأبقى، وهي ما يتمناه أهل هذه الأرض الطيبة، وكل الغيورين في أنحاء العالم الإسلامي.
وتبرز أهمية التعجيل بالأسلمة والتخلي عن الربا من خلال ما يأتي:
1ـ المكانة المميزة للمملكة العربية السعودية، من حيث إن دستورها الكتاب والسنة، وتعتز بتطبيقها للشريعة الإسلامية، ولذا صارت محل ثقة المسلمين، ومحط أنظارهم في كل أصقاع الأرض.
2ـ المحافظة على مصداقية المملكة التي ينص نظامها الأساسي للحكم على الالتزام بالكتاب والسنة في جميع أنظمتها، وشتى مناحي حياتها.
ويتأكد ذلك مع وجود منافسة قوية من عدد من الدول الإسلامية وغيرها في التعامل بالمنتجات الإسلامية وتطويرها. وفي الوقت الذي ينتظر فيه من بلادنا المباركة أن تكون سباقةً إلى الخير، وقدوةً للغير، ومصدِّراً للمنتجات والتعاملات الشرعية، تصبح بكل أسف مستوردة لهذه المنتجات، ومتأخرة عن عدد من الدول المجاورة وغيرها، التي سبقتها بمراحل كثيرة في هذا المجال.
3ـ استجلاب محبة الناس وثقتهم، وتحقيق رغبتهم في استثمار أموالهم، وسد حاجاتهم بالطرق الشرعية، ورفع الحرج الشديد الذي يلحق بهم من خلال وجود الربا في المؤسسات التي تتعلق بها مصالحهم وحاجاتهم، وبخاصة في البنوك والشركات المساهمة، فإنهم إن تعاملوا معها أو ساهموا فيها مع علمهم بما تشتمل عليه من الربا لم يزالوا في قلق وهم، وشعور بالخطيئة والذنب، وإن تركوها وجمدوا أموالهم شعروا بالحرمان والغبن، وتفويت فرص الكسب الحلال عليهم.
4ـ توطين الاستثمارات المحلية، وجلب الأموال المهاجرة، حيث إن الملاحظ نزوح أموال ضخمة من هذه البلاد إلى بلاد خليجية أو إسلامية أو غربية تقدَّم فيها المنتجات الإسلامية في مجال الاستثمار أو التمويل، وهذا عكس ما تسعى إليه الدولة من تقوية الاستثمارات المحلية، وتشجيع عودة رؤوس الأموال المهاجرة.
ويتأكد هذا الأمر في ظل الانفتاح والعولمة، وانضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية، حيث فتح المجال واسعاً للبنوك الخليجية والدولية لإقامة فروع لها في بلادنا، ولا يخفى أنه يوجد في بعض الدول الإسلامية، وبخاصة في الإمارات والبحرين وماليزيا وإندنوسيا والسودان والباكستان من البنوك الإسلامية أضعاف ما يوجد في بلادنا، وهذا من شأنه أن يستقطب الكثير من أموالنا واستثماراتنا إلى هذه البنوك الإسلامية غير السعودية، مما يشكل خطورة ظاهرة على بنوكنا التقليدية المحلية، واقتصادنا الوطني.
5ـ جلب الاستثمارات الخارجية، حيث إن تشجيع المنتجات الشرعية المربحة في هذا البلد المبارك، الذي هو محل ثقة المسلمين، سيؤدي إلى جلب الاستثمارات من الدول الإسلامية وغيرها.
الحلقة 3