الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيدنا ونبيِّنا محمّد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:
فإنّ الأصل في مسألة: حلق المضحِّي شعره, وتقليم ظفره في العشر الأوّل من شهر ذي الحجّة, ما أخرجه مسلم في صحيحه, من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها، أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا»[1]. وفي لفظٍ: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره»[2]. وفي لفظ: «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي»[3].
فاختلف فقهاء الأمصار في توجيه النّهي الوارد في هذه الأحاديث؛ هل المراد به التّحريم؛ كما هو الأصل في النَّهي المجرَّد عن القرائن الصَّارفة من التحريم إلى غيره؛ أم المراد به الكراهة؟ على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأوّل: أنه يكره لمن أراد التَّضحية أن يحلق شعره, أو يقلم ظفره. وهذا مذهب المالكيّة[4], والشافعية[5].
الدليل: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم»[6].
ونُوقش هذا الاستدلال بما يلي:
الأوَّل: أنّه عام, وهذا الذي كنا بصدده خاص يجب تقديمه، بتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص[7].
الثَّاني: أنّه يجب حمل حديثهم على غير محلّ النّزاع لوجوه؛ منها أنّ النبي - صلّى الله عليه وسلم - لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروها[8].
الثالث: ولأن عائشة تخبر عن فعله, وأمّ سلمة عن قوله، والقول يقدم على الفعل[9].
المذهب الثَّاني: أنّه يحرم على من أراد التَّضحية أن يأخذ شيئًا من شعره وظفره. وهذا مذهب الحنابلة[10].
الأدلة:
الأوّل: ما أخرجه مسلم في صحيحه, من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها، أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا»[11].
الثَّاني: أنّ نهيه عليه الصّلاة والسّلام عن ذلك صريح, ومقتضى النهي التَّحريم[12].
المذهب الثَّالث: أنّه يجوز ذلك كلّه من غير كراهة. وهذا مذهب الحنفيّة[13].
الأدلة:
الأوّل: لأنّه محلّ، فلم يكره له أخذ شعره وبشره كغير المضحي.
الثّاني: ولأنّه من محظورات الإحرام، فلا يتجنبه المضحي كاللبس والطيب والجماع[14].
التَّرجيح: بعد عرض الأقوال في المسألة, وأدلة كلّ قول, تبيَّن – والله تعالى أعلم – أنّ أضعف الأقوال في هذه المسألة ما عليه الحنفيَّة؛ لأنّ قولهم مبنيّ على أقيسة باطلة؛ لأنّ القياس في مقابل النّصّ الصّحيح الصّريح باطل.
فإذا كان أضعف الأقوال في المسألة هو ما عليه الحنفيّة؛ كان أقواها وأرجحها ما عليه الحنابلة؛ وهو القول بتحريم أخذ شيء من الشعر والظفر لمن أراد التَّضحية؛ وذلك لما يلي:
الأوّل: أنّ النبيّ عليه الصَّلاة والسَّلام نهى عن ذلك؛ والنهي يقتضي التَّحريم.
الثَّاني: أنّ الحديث الذي استدل به المالكيّة والشافعيّة عام, والحديث الذي استدل به الحنابلة خاص؛ والخاصّ يقدّم على العام.
ويُستثنى من هذه المسألة ما يلي:
الأوّل: أنه إذا دخل العشر؛ وهو لا يريد التّضحية؛ فله أن يأخذ من شعره وظفره ما شاء, ومتى شاء, فإذا أراد التَّضحية بعد عدم الإرادة, وفي أثناء العشر أمسك عن ذلك كلّه.
الثَّاني: إذا تضرَّره بشيء من شعره وظفره, واحتاج إلى إزالة شيء من ذلك؛ فلا حرج عليه في ذلك؛ لأنّ الضرورات تبيح المحظورات.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: من احتاج إلى أخذ الشعر والظفر والبشرة فأخذها فلا حرج عليه؛ مثل أن يكون به جرح فيحتاج إلى قص الشعر عنه، أو ينكسر ظفره فيؤذيه فيقص ما يتأذى به، أو تتدلى قشرة من جلده فتؤذيه فيقصها فلا حرج عليه في ذلك كله[15].
الثَّالث: أنّه إذا أخذ مريدُ الأضحية شيئًا من شعره وظفره, فلا يخلوا من حالين: إمَّا أن يكون عالما بالتَّحريم, أو جاهلاً, فإن كان جاهلاً؛ فلا شيء عليه إن شاء الله تعالى؛ لأنّ الجاهل معذور. أمَّا إن كان عالمًا بالتَّحريم, فلا يخلوا من حالين: إمَّا أن يكون ناسيًا, أو متعمِّدًا؛ أمَّا الأوَّل فمعذور شرعًا؛ لأنّ النَّاسي مرفوع عنه القلم, وأمَّا الثاني؛ وهو المتعمِّد, فهو آثم بمخالفته أمر النَّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – بالإمساك عن ذلك؛ إلا أنّ أضحيته صحيحة ومقبولة بإذن الله تعالى.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: يتوهّم بعض العامّة أن من أراد الأضحية, ثمّ أخذ من شعره أو ظفره أو بشرته شيئا في أيام العشر لم تقبل أضحيته، وهذا خطأ بيِّنٌ, فلا علاقة بين قبول الأضحية والأخذ مما ذكر، ولكن من أخذ بدون عذر؛ فقد خالف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإمساك، ووقع فيما نهى عنه من الأخذ، فعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ولا يعود، وأما أضحيته فلا يمنع قبولَها أخذُه من ذلك[16].
المراجع
[1] صحيح مسلم 3/1565 برقم 1977 كتاب الأضاحي/ باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئا.
[2] صحيح مسلم 3/1565 برقم 1977 كتاب الأضاحي/ باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئا. من طريق أمّ سلمة رضي الله عنها, عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
[3] صحيح مسلم 3/1566 برقم 1977 كتاب الأضاحي/ باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئا. من طريق أمّ سلمة رضي الله عنها, عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
[4] الذخيرة 4/141-142, منح الجليل 2/473-474.
[5] الحاوي الكبير 15/74.
[6] صحيح البخاري 7/102 برقم 5566, صحيح مسلم 2/957 برقم 1321.
[7] المغني 9/437.
[8] المصدر السّابق.
[9] المصدر السّابق.
[10] المصدر السّابق.
[11] صحيح مسلم 3/1565 برقم 1977 كتاب الأضاحي/ باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئا.
[12] المغني 9/436 بالتصرف.
[13] التجريد للقدوري 12/6344.
[14] المصدر السَّابق.
[15] مجموع الفتاوى 25/161.
[16] المصدر السَّابق.