كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول سجود الشكر من اللاعبين عند تسجيلهم للأهداف أو فوزهم في المباريات والبطولات ما بين مؤيدٍ، ومعارض، ومادحٍ، وثالب، وحاث، ومانع، لذا كان الوقوف على حكمها في ميزان الفقه الإسلامي من الأهمية بمكان، وهذا مانسعى إليه من خلال هذه الجولة السريعة في هذا الكتاب المعنون بـ(حكم سجود اللاعبين للشكر) للدكتور صالح العصيمي، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العصيمي في كتابه أشار إلى وجود عدة أراء في حكم سجدة الشكر للاعبين، فهناك من رأى: أنها من مظاهر الإيمان عند شبابنا وفرح بها فيجب أن يُحثُّوا عليها ويُشجّعوا من وجهة نظره، وهذا لا شك شعور طيب ويشكر الإنسان على نيته الحسنة ويؤجر ولكن حالما يتضح له الحكم الشرعي فعليه أن يقلع عن هذا الأمر، ولشيخ الإسلام كلام حول هذا المعنى كما في "الاقتضاء" 2/621، وهناك رأي يرى أنها مخالفة شرعية يجب التحذير منها.
وقبل البدء في تأصيل الموضوع نقل الباحث كلاما وصفه بالمهم لشيخ الإسلام إبن تيمية – رحمه الله - حول مسألة أن هناك من الناس من يظنُ في بعض المسائل أنها سائغةٌ شرعاً، حيث قال – رحمه الله -: (ما عليه كثيرٌ من الناس من كثيرٍ من العاداتِ ونحوها، التي يجعلها من الدلائل على حسن بعض البدع – وذلك -:بأن يجعل ما اعتاده هو، ومن يعرفه إجماعاً، وإن لم يُعلمْ قولُ سائر المسلمين في ذلك، أو يستنكر تركَه لما اعتاده، بمثابة من {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا} [المائدة: 104]).
ثم قال بعد كلامٍ طويل: (ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المُخالفة للسنن مجمعٌ عليها، بناءً على أن الأمة أقرتها، ولم تنكرها، فهو مخطئٌ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل، ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، وما يجوز دعوى الإجماع بعمل بلد، أو بلاد من بلاد المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟)، وقال أيضاً: (فإذا سُوِّغ فعل القليل من ذلك أدَّى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادةً للناس).
وقد استقر الباحث في كتابه على عدة مسائل مهمة، نستعرض هنا بعضا منها:
أولاً: أن الأمور الشرعية لا تؤخذ بالعواطف، فبالنظر إلى الأمور التعبدية التي أحدثها كثير من الناس بعد القرون المفضلة ما أحدثوها إلا عن عاطفة وما دفع بعضهم إلى ذلك إلا التّدين والمحبة لله ولرسوله – -صلى الله عليه وسلم-، ولكن عند عرضها على الشرع ليبين أهل العلم -الذين أنار الله بصيرتهم- حكمها فإنهم لم يترددوا بالحكم عليها بالبدعية والإحداث.
ثانياً: الناظر إلى سجود اللاعبين لله شكراً عند إحرازهم للأهداف يعتقد أن ما دفعهم إلى هذا السجود لابد وأن يكون أحد هذه الأمور:
1-إما مظهر إيماني، ولحظة فرحٍ أراد أن يشكر الله عليها.
2-وإما تقليد يقلِّدُ بعضهم بعضًا.
3-وإما محاكاة لما يصنعه اللاعبون الكفرة؛ لأن بعض أبنائنا وإخواننا اللاعبين يقول بأن اللاعب غير المُسلم عندما يسجل هدفاً يشكر إلهه، وأنا من باب أولى أحق بالشكر لربي وخالقي.
ثالثاً: على الجميع أن يعلموا:
1- أن الشكر لله عبادة قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243] وقال تعالى: {فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123].
2- والسجود لله –عز وجل- عبادة، قال تعالى: {كلا لا تطعه واسجد واقترب} [العلق:19 ].
والعبادة - كما هو معلوم عند أهل العلم - توقيفية، فلابد من إثباتها بدليل من كتابٍ أو سنةٍ، ولابد أن يرجع فيها إلى الشرع المطهر، فلا تصح العبادة: باستحسان عقولٍ، أو أمزجةٍ، بل لابد من دليل يدل على صحتها من كتابٍ أو سنةٍ. فهل يا ترى سجود الشكر على التوفيق في أمورٍ مكروهةٍ، أو مباحةٍ في أحسن أحوالها كحال كرة القدم وما يماثلها عباده؟!
رابعاً: الناظر في الأدلة الشرعية، يجد أن سجود الشكر ما كان يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه، إلا عند: تجدد نعمة، أو زوال نقمة، مع التنبيه أن عامة الأحاديث التي فيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سجد لله شكراً في صحة ثبوتها نظر.
لذا اختلف أهل العلم في حكم سجود الشكر أصلاً حتى لو حصل التوفيق في أمور واجبة، أو مستحبة، فكيف بأمور مباحةٍ، أو مكروهة، أو محرمةٍ في بعض أحوالها؟
خامساً: غالب أهل العلم يرون أنه لا يسجد لله شكراً، إلا في الأمور العامة التي فيها مصلحة لأهل الإسلام، كالنصر على العدو، ونزول المطر، أو اندفاع العذاب والبلاء عن المسلمين.
قلت: وهذا قول مرجوح؛ لأن الأدلة خلافه.
سادساً: والصحيح أنه يُسجد لله شكراً في المنافع العامة كالتي سبقت أمثلتها، والمنافع الخاصة كمن: رزق الولد، أو كمن نجا من غرق، أو حريق، وكمن نجا وسلم من حادث، أو أنجاه الله من قطاع طرق، وما شابه ذلك ودليل صحة ذلك سجود كعب بن مالك - رضي الله عنه - عند نزول الآية التي فيها قبول توبته ورضا الله عنه.
فهل يا ترى سجود محرزي الأهداف وأنصارهم بمثل هذه المبررات يصح؟ وهل تسجيل الأهداف نعمةٌ يستحب أن يشكروا الله عليها؟! فهل يقاس دخول قطعة جلد بين حدائد يقاس برضى رب العالمين عن عبد من عباده؟!
سابعاً: إن من لوازم القول بأنَّ الأهداف نعمة تستحق الشكر داعياً إلى القول بأن عدم تسجيل الأهداف نقمة ومنحة تستوجب الدعاء برفع الضر وجلب النصر، ولا يكون هذا إلا بالدعاء والقنوت، والابتهال إلى الله، وحث الناس على التوبة، والإستغفار من أجل أن يُحصّلوا هذا النصر المزعوم، إي وربي إنني أخشى إن سكتنا عن هذا القول ولم نبيّن للناس حكم الشرع فيه، أن يأتي ذلك اليوم الذي نرى فيه بعض اللاعبين، وأنصارهم يدعون في الصلاة، ويدعون في آخر خطبة الجمعة بإن ينصرَ الله فريقهم، بل وقد يدعون في القنوت في رمضان وغيره، من أجل انتصار فريقهم، فما فرق هذا عن ذاك؟ طالما أن المسألة أهواء وأمزجة، ورضي الله عن علي عندما قال: لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه.
ثامناً: من أجاز سجود الشكر من أهل العلم أجازه في الأمور المستحبات، لا المكروهات، ولا المحرمات، وهو الصحيح فلو سجد الإنسان لله عند فعل المعاصي فهو بفعله هذا يكون مستهتر، ومستهزيء، كسجود: لص بعد إتمام سرقته، أو مهربٍ للمخدرات بعد إتمام عملية تهريبه، وما شابه ذلك من المحرمات.
وذكر العلامة الراحل بكر أبو زيد – رحمه الله- في كتابه (تصحيح الدعاء) كلامًا طيّبًا نافعًا كعادته –رحمه الله- حين قال: (بأن كل محرمٍ، أو مكروه، من قول، أو عمل، لا يجوز افتتاحه بشيء من ذكر الله تعالى، لما فيه من الامتهان، وقد وصل الناس في هذا إلى حد العبث، وعدم المبالاة، والتغطية على عقول السُّذج بمشروعية تلك المحرمات، بل وصل الحال إلى «سجود المعصية» عندما يفوز فريق رهان على آخر، يسجد الفائز لتفوقه المحرم، وهذا السجود من أسباب سخط الله، وعقابه، فالله المستعان.
تاسعًا: ولو فتح المجال للسجود لله شكراً في مثل هذه المباحات، أو لمكروهات، لتحول السجود شكراً لله، إلى سخرية، ولوجدنا من يلعبون الكيرم، والبلاي ستيشن، سوف يسجدون لله شكراً إذا فازوا، بل ولوجدنا لاعبي الورق يسجدون لله شكراً إذا فازوا، والطلاب في مدارسهم إذا سجلوا أهدافاً، والشباب في حواريهم، وهكذا كُل لاعبٍ، ولاهٍ سوف يسجد لله شكراً، وتحولت هذه العبادات التي هي من تعظيم شعائر الله، ومنتقوى القلوب إلى هذه الساحات التي لا تليق بذكر الله - جل وعلا -، بل ولا أظن أن في مثل هذا العمل توقير لله، وقد أمر جل وعلا بتوقيره في قوله تعالى: {مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح:13].
عاشرًا: لو فرضنا جدلاً أن سجود اللاعبين لله شكراً مباح، وأن تلك الأهداف التي يسجلونها نعمة كما يظن البعض، لوجدنا أن اللاعبين سوف ينقسمون إلى قسمين:
1- قسم: يسجدون لله شكراً وهم من سجلوا الهدف.
2- والقسم الآخر: سوف يحزنون، وهم من سُجلَ عليهم هدف، ثم تنقلب الموازين، فمن سجلوا هدف قد يُسجل عليهم هدف، فيتحول فرحهم إلى حزن، والقسم الآخر سوف يسجدون لله شكراً؛ لأنهم سجلوا هدف، فتحول حزنهم إلى فرح، وهكذا يتناقل اللاعبون سجود الشكر، فما كان في نظره نعمة هو في نظر أخيه المنافس له في اللعب نقمة، لأن النعمة التي حصل عليها –كما يدعي- كانت على حساب مسلم آخر، ومثل هذا السجود لا يُعرف له أصلٌ، لذا لم يسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا الصحابة عندما يفوز أحدهم على الآخر في السباق.
ولكي أقرب هذه المسألة إلى الأذهان أضرب على ذلك مثالاً كي تتضح صورة أن ما كان له نعمة وكان هذا على حساب أخ له نقمة، فعليه ألا يظهر الفرح ولو على الأقل أمامه.
الحادي عشر: لو فرضنا جدلاً صحةَ سجود اللاعبين شكراً، فهل توفر في هذا السجود ما يلزم من: واجبات، أو مستحباتٍ؟ فمثلاً اتفق جميع أهل العلم على استحباب الطهارة، واستقبال القبلة بل حكى الإمام النووي –رحمه الله- الإجماع على وجوب الطهارة، واستقبال القبلة عند سجود الشكر، ولعله يقصد إجماع الجمهور لوجود خلاف في المسألة؛ لأن هناك قول عند الحنابلة، وعددٌ من أهل العلم على أن الطهارة وستر العورة مستحباتٌ لا واجبات، وقد رجحه شيخ الإسلام بن تيمية –رحمه الله-.
الثاني عشر: قد يجهل بعض اللاعبين بأن من شروط صحة السجود عند عامة أهل العلم التكبير، قال العلامة الراحل ابن عثيمين – رحمه الله- «والصحيح أنه يكبر إذا سجد لله شكراً» .
الثالث عشر: وقد يقول قائل إنَّ من سجدوا لله من اللاعبين شكراً في السابق بناءً على فتاوى، أو ظناً منهم أن ذلك عملٌ مشروع فهل يأثمون؟ أم يؤجرون؟ والجواب أن من فعل هذا الفعل بنيةٍ حسنةٍ قبل أن يعرف الحكم الشرعي فإنه يؤجر وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أمثلةً من الأعمال البدعية التي في ظاهرها التقرب إلى الله وقال: (قد يفعلها بعض الناس، ويكون له فيها أجرٌ عظيم لحسن قصده).
قلت: مع التنبيه بأن من لم يسجد عند فوزه أو تسجيله للأهداف أعظم أجراً ممن سجد، إذا كان قد ترك السجود خشية من الإثم.
الرابع عشر: بعض اللاعبين يفعلون هذا السجود مع الأسف ويقومون بتقبيل أرضية الملعب، وهذا لا شك بحرمته؛ لأنّ السجود هو تعظيم لله بالسجود على الأعضاء السبعة، وليس بتقبيل الأرض.