[3] حقيقة الانحراف الفكريّ في نصوص الشّرع:
أ. الانحراف الفكريّ وقوعٌ في فتنة الشُّبُهات:
قد بيّن الله عزّ وجلّ في غير ما آيةٍ من كتابه، أنه قد خلق الإنسان لابتلائه واختباره، كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } [الملك: 1، 2]، فإذا ابتُلي المرء واختُبِر، فإما أن يناله التوفيق من الله عزّ وجلّ، وإما أن يقع في الفتنة، يقول أبو الوليد الباجي:
(أَصْلُ الْفِتْنَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الِاخْتِبَارُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَفَتَنَّاك فُتُونًا} مَعْنَاهُ -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- اخْتَبَرْنَاك اخْتِبَارًا، إِلَّا أَنَّ لَفْظَ الْفِتْنَةِ إِذَا أُطْلِقَ فَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِيمَنْ أَخْرَجَهُ الِاخْتِبَارُ عَنْ الْحَقِّ، يُقَالُ: فُلَانٌ مَفْتُونٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ اُخْتُبِرَ فَوُجِدَ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ)[14].
إذن، فالانحراف الفكريّ، وقوعٌ في الفتنة، وذلك في سياق المفهوم المتكامل الذي قدّمه أبو الوليد الباجي لمفهوم الفتنة[15].
والفتنة كما هو معلوم نوعان: فتنة الشُّبهات، وفتنة الشَّهوات، فمن الواضح أن الانحراف الفكري وقوعٌ في فتنة الشّبهات، وحقيقتها: (اشتباه المعروف عليه بالمنكر فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً، وربما استحكم عليه هذا المرضُ حتى يعتقد المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلا والباطل حقاً.)[16].
ب. نوعا فتنة الانحراف الفكري:
فتنة الانحراف الفكري، مثل غيرها من الفتن، تتفاوت تفاوتاً لا حدّ له، والمعروف عند الصحابة رضي الله عنهم، أنّ الفتن تنتهي في النهاية إلى نوعين، دلّ عليهما حديث حذيفة رضي الله عنه:
"أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ! قَالَ: هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ!
قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ!!...))[17].
فيفيدنا حديث حذيفة هذا: أنَّ فتنة الانحراف الفكريّ نوعان:
-النوع الأول: الفتنة الخاصّة، أي فتنة الرجل في ماله وأهله وولده وجاره، وما إلى ذلك، وهي التي تُسمَّى كذلك بالفتنة الخاصة! وتعني ما يحدث للمرء من الفتنة، في سياق معاملاته العادية، فيزلّ أو يطغى، ثم يتوب ويستغفر، يقول ابن عبد البر: (وقال جماعة من فقهاء الحجاز والعراق: إن المعاصي كلها فتنة تكفرها الصلاة والصوم،... وكلُّ من فُتن بشيء من المعاصي والشهوات المحظورة فهو مفتون، إلا أنه إن ترك وأناب واستغفر وتاب غُفر له مع أدائه لصلاته وزكاته وصومه وهذه صفات المذنبين، وقد فتن الصالحون وابتُلوا بالذنوب، قال الله تعالى: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}[18].

فكلُّ معصيةٍ أو ذنبٍ يقع فيه الإنسان، تكون وراءه شبهةٌ بحسبه.
-النوع الثاني: فتنة الأمَّة أو الجماعة، أي الفتنة التي تموج موج البحر، وهي التي ورد في تهويلها كثيرٌ من الأحاديث، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((سَتَكُونُ فِتَنٌ: الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ))[19].
فلا ريب أنّ الانحراف الفكريّ، في أعلى درجاته، يودي بصاحبه إلى الوقوع في هذه الفتنة التي تموج موج البحر، فيكون ممّن يتشرّف لها، ويقوم ويسعى فيها، كما هو حالُ من تُسوّل لهم أنفسهم قتل الأبرياء وتخريب الممتلكات وتخريب الديار.
ت. محلُّ فتنة الانحراف الفكريّ:
محلُّ فتنة الانحراف الفكريّ، هو القلب، فالفتنة عندما تنزل بالإنسان، فإنها إنما تنزل بقلبه أصلاً: يقول حُذَيْفَةُ رضي الله عنه: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ»[20].
ثمّ في القلب فإنّها –كما مرّ أعلاه- تبدأ ببوابة الفكر (علم القلب)، ومن ثمّ تدلف إلى عمل القلب.