مقدمة:
الانحراف الفكريُّ، مفهومٌ تردّدَ في عصرنا الرّاهن، متعلّقاً بظواهر التّطرّف وإرهاب الآمنين، باعتباره مفسّراً لسلوك بعض الدّعاة الّذين حادوا عن سواء السّبيل، وفي هذا المبحث نقف وقفةً تأصيليّة بين يدي هذا المفهوم، لنردّه إلى المرجعيّة الشّرعيّة، ممّا ييسّر سبيل التّعامل الصحيح مع تلك الظواهر.
معنى الانحراف الفكريّ:
مفهوم الانحراف الفكريّ، عبارةٌ عن مركّبٍ ثنائيّ من لفظين، أحدهما موصوفٌ والآخر صفةٌ، فهو مركّبٌ بيانيٌّ، ولا ينكشف معناه، إلا عند انكشافِ معنى اللَّفظين المكوّنين له، ثمّ انكشافِ العلاقة التي تربط بينهما، وهو ما سوف نراه بإذن الله تعالى:
[1] معنى الانحراف:
أ. الانحراف في اللغة:
وردت مادة "الحاء والرّاء والفاء"، في اللُّغة بمختلف الأوزان والتصريفات؛ لتدلّ على شتّى المعاني والدّلالات، وما يهمُّنا هنا هو لفظُ "الانحراف" الّذي على وزن "الانفعال"، فالانحراف في اللّغة إذن: انفعالٌ من الحرف، و"حرْفُ كل شيء طَرفُه وشفِيرُه وحَدُّه ومنه حَرْفُ الجبل وهو أَعْلاه المُحدَّدُ"[1]، وقال أبو عُبَيْدَةَ: "حَرَفَ الشَّيْءِ عنْ وَجْهِهِ حَرْفاً: صَرَفَهُ"[2]. "وقال الأًزْهَرِيُّ: وإِذا مَالَ الإِنْسَانُ عن شَيْءٍ يُقَال: تَحَرَّفَ، وانْحَرَفَ، واحْرَوْرَفَ"[3]، قال الزَّبيديّ: "وشَاهِدُ الانْحِرَافِ: حديثُ أَبي أَيوبُ رَضِيَ الله عنه : ((فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بَيْتٍ قِبَلَ القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ ونَسْتَغْفِرُ الله))، وشَاهِدُ التَّحَرَّفِ قَوْلُهُ تعالَى:{إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ} أَي: مُسْتَطْرِداً يُرِيدُ الكَرَّةَ"[4].
الخلاصة: تدور كلُّ هذه المعاني على محور قولهم: "حرْفُ كلِّ شيء طَرفُه وشفِيرُه وحَدُّه ومنه حَرْفُ الجبل"، فهذا هو الحرفُ، أما الانحرافُ (ومثله التَّحرُّف والاحرِوراف) فهو أن يكون المرءُ عند الطَّرف والحافّة والهاوية، بعيداً عن المتن والوسط، فأصل الانحراف مذمومٌ، ما لم يبدُ من متعلّقاته أنه ليس كذلك، يدلُّ عليه حديثُ أبي أيوب أعلاه.
ب. الانحراف في نصوص الشَّرع:
مفهوم الانحراف والتّحرّف في نصوص الشرع، جارٍ على أصل دلالته اللّغويّة، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الحج: 11]، قال ابن كثير: "قال مجاهد، وقتادة، وغيرهما: {عَلَى حَرْفٍ}: على شك. وقال غيرهم: على طرف. ومنه حرفُ الجبل، أي: طرفه، أي: دخل في الدِّينِ على طرف، فإن وجد ما يُحبه استقرّ، وإلا انشمر"[5]، "وقال ابنُ عرفة: {من يعبد اللّه على حرف} أَي: على غير طمأْنينةٍ على أَمرٍ، أَي: لا يدخل في الدِّين دخولَ متمكِّنٍ"[6]، فهو كالواقف عند حرف الجبل، يوشك أن يسقط من أعلاه.
ويؤكده قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [الأنفال: 16]، فصورة الفعل مذمومةٌ، اللهم إلا إن تعلّق بشيءٍ محمود.
[2] معنى "الفكريّ":
الفكريُّ هو المنسوب إلى "الفكر"، فما هو معنى الفكر؟
أ*- معنى الفكر في اللّغة:
يقول ابن فارس: "الفاء والكاف والراء: تردُّدُ القَلْب في الشَّيء"[7].
ويقول ابن منظور: "الفَكْرُ والفِكْرُ: إِعمال الخاطر في الشيء"، وقال الجوهريُّ: "التَّفَكُّر التأَمل"[8].
ب*- الدلالة الشَّرعيَّة للفكر:
من المعلوم أنّ الإنسان يتكون من نفخة الروح في مادة التراب بعد تسويتها، قال تعالى:{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [الحجر: 29]، فالإنسان فيه عنصران: عنصر مادي ويتمثل في أعضائه وأجهزته التي تقوم بالوظائف المختلفة، وعنصر معنويّ.
وهذا العنصر المعنويّ يتعلّق بالقلب خاصّةً، روى النُّعمان بن بشير رضي الله عنه، قول الرسول r: أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ"[9].
فصلاح القلب هو أساس صلاح الإنسان، وفساده هو أساس فساد الإنسان.
وقد تقرّر عند المحقّقين من أهل السنة والجماعة، أنّ النشاط المعنويّ للقلب ينقسم إلى قسمين:
علمُ القلب، أي معرفتُه بمعاني الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ومعرفته بسائر أنواع العلوم والمعارف. وهو ما ينطبق عليه مفهوم الفكر، باعتباره (أسمى صور العمل الذهني، بما فيه من تركيب وتحليل وتنسيق، فكلّ ما أنتجه عقل الإنسان من رأيٍ ناتجٍ عن تأمل وتحليل وتركيب فهو فكر)[10].
و(عَمَلُ الْقَلْبِ مِثْلُ: حُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَخَشْيَةِ اللَّهِ، وَحُبِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَبُغْضِ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَتَوَكُّلِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَجَعَلَهَا مِنْ الْإِيمَان)[11].
يقول أبو حامد الغزالي مبيّناً أهمية الفكر (علم القلب): ( كثر الحثُّ في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار, ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم)[12].
ت*- أساسُ العلاقة بين (الفكر) و(العمل):
إذا كان (الفكرُ) أو علمُ القلب صحيحاً، فإنّه يقتضي عمل القلب، فعلى سبيل المثال: إذا كان تصوُّرنا عن الشيء المخوف صحيحاً، فإنّ ذلك يوجب الهرب منه، وإذا كان تصوّرنا عن الشيء المحبوب صحيحاً، فإنّ ذلك يوجب طلبهُ.
فإذا لم يتمّ الهربُ من المخوفِ، ولا طلب المحبوب؛ دلّ ذلك:
-إمّا على وجود خللٍ في (الفكر) أي: علم القلب، وهو خلل في باب العلم والمعرفة والتفكير.
-وإمّا أنّه قد تمَّ تصوُّر الشيء تصوّراً تامّاً، فلم يكن ثمّة خللٌ في العلم به، ولكن لم تترتّب عليه آثارُه لوجود خللٍ في باب (عمل القلب)، بأنّ كان الشيءُ الّذي تمّ تصوره ومعرفته غيرَ محبوبٍ ولا مكروه[13].
إذن، ليتحقّق أيّ عملٍ من الأعمال الإنسانيّة، -وأعظم عملٍ إنسانيٍّ هو الإيمان- فلا بدّ من هذين العنصرين: علم القلب، أي تصديقه، وعمل القلب، أي انقياده.