يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} الانشقاق 6 تلخّص هذه الآية الكريمة حياة الإنسان كلّها، في كلماتٍ قلائل، تبيّن طبيعة الإنسان، وكونه عاملاً كادحاً، متحرّكاً بالإرادة والطّبع، نحو تحقيق أهدافه. أمّا مكانُ هذا الكدح فهو الأرض، وأمّا زمانه فهو العمرُ يتقلّب به اللَّيل والنهار، وتتقلّب بتقلبهما الأيامُ، فما من يومٍ ينشقُّ فجرُه، إلا وهو يقول بلسان الحال: يا ابن آدم، أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني، فإني إذا مضيتُ لا أعود إلى يوم القيامة[1]، فطوبى للسُّعداء الّذين أدركوا حقيقة وجودهم، واجتهدوا في عمارة يومهم، وقد عرفوا أنّ الله عزّ وجلّ قد جعل ليله ونهاره خِلْفَةً: جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: فاتتني الصَّلاةُ الليلةَ، فقال: أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر، أو أراد شكورا.
فهل لك أن تمحوَ الذنوبَ بعبرةٍ وتبكي عليها حسرةً وتندُّما
وتستقبلَ العامَ الجـديدَ بتوبةٍ لعلك أن تمحوَ بها ما تقدَّما
فالتوبةَ التوبةَ، والعزمَ العزمَ على اقتناص ما تبقّى من ساعات العمر!
وذلك يقتضي منك أن تُثبِّت أركان يومك بأعمدةٍ وطيدة، هي الصلوات الخمس، حيث ما نودي بهنَّ، تبادر بالإجابة من ساعة رفع النداء، ثمّ تُحثّ الخطى إلى المسجد، محتسباً كلّ خطوةٍ تخطوها، مجتهداً في إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، محافظاً على السنن الراتبة، وأذكار ما بعد الصَّلاة، وأن تجتهد في إعمار أوقاتك بتلاوة القرآن والذّكر، وعمل الصالحات، ومواصلة الأرحام، والإحسان إلى النّاس، وكفّ الأذى عنهم.
من لطف الله عزّ وجلّ بالعباد، أن خُتم عامُنا هذا بموسم من مواسم العبادة، ألا وهو أيام العشر من ذي الحجّة، ومن رحمته بنا أن افتتح عامنا الجديد بموسمٍ آخر من مواسم الطاعة، ألا وهو شهر الله المحرم، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل الصيام بعد رمضان: شهر الله المحرم..»[2]، وآكدُه صوم يوم عاشوراء؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صيامُ يوم عاشوراء أحتسِبُ على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله»[3]؛ أخرجه مسلم في "صحيحه".، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم»[4]
فليُبادر المرء هذا العامَ الجديد، في مبتدئه، بألوان القُرَب، فإن افتتاح العام الجديد بالطاعة، كما اختُتِم العام المُنصرِم بطاعة الحج والعمرة وصيام يوم عرفة لغير الحاج، وغير ذلك من ألوان القُرَب، مُشعِرٌ بأنَّ عمر المسلم كله بدءًا ونهايةً عامرٌ بطاعة الله، رَطبٌ بذكره، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].
فهذا هو اللائق أن نستقبل به عامنا الجديد، وليس بما يبتدعه ويخترعه المخترعون من ضروب الاحتفاء البدعيّ، كحال من يخُصُّ ختام العام أو بدايته، بصيامٍ أو قيام، فتلك بدعة صريحة، فمن نوى صيام ذلك اليوم أو قيام ليلته، لأنه أول يوم من أيام السنة، أو لأنه آخر يومٍ فيها، فقد ابتدع، ومن نوى صيامه لأنه من أيّام شهر الله المحرم؛ اقتداءً بالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد أصاب السنة، وجافى البدعة!.
وأمّا التهنئة وتبادل التهنئةِ بإقبال العام الجديد، فلا بأس فيه، لأنّه من العادات المباحة، لم يرد في السنة، ولا هو من البدعة، وقد كتب الشيخ ابن سعدي إلى تلميذه ابن عقيل خطاباً قال في ديباجته: ونهنئكم بالعام الجديد، جدَّدَ الله علينا وعليكم النعم، ودفع عنا وعنكم النقم!، وأخطأ من قال إنّ التهنئة بإقبال العام الجديد، من مضارعة النصارى، لأنّه أمرٌ قد عُرف في المجتمع الإسلاميّ منذ وقتٍ مبكّر، وقد ورد عن الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين أنّه: لا يُبتدأ بها، ولا يُنكر على من فعلها، وقد نصَّ الشيخ ابن باز رحمه الله على أن البدء بها ليس ببدعة.
فلا بأس بالتهنئة وتبادل التهنئة بإطلال العام الجديد، استبشاراً به وتناصحاً على الجدّ فيه، وعزماً على أن يكون عامَ التوبة الشاملة، والمسارعة إلى رضوان الله عز وجلّ:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [5].
المراجع
[1] حكمة منسوبة إلى الحسن البصري، وقد رواها أبونعيم في الحلية مرفوعةً، وضعفها.
[2] صحيح مسلم 1163.
[3] صحيح مسلم 1162.
[4] صحيح مسلم 1132.

[5] سورة آل عمران: الآية 133.