عام لملم أوراقه معلنا الرحيل، وأخر يطرق أبواب المسلمين معلنا، هاهي الأمة الإسلامية تستقبل عامها الهجريَّ الجديد وجسدُها الإسلاميّ مُصاب بجراحاتٍ كثيرةٍ، بل لا يكاد جرح يَبْرَأُ حتى تَنْتَكِثَ جراحات أخرى؛ جهْل، وحرب، وفقر، وجوع، وتشريد وتهديد، وذلك واضح ومعلوم فيما يقرأ ويَسمع ويشاهد، بل قد يقال: لم يعد مُسْتَغْرَبًا حصول قَارِعَةٍ تَنْزِلُ بجماعةٍ من المسلمين أو تَحُلُّ قريبًا من دارهم.
ومع نهاية عام وبداية آخر جديد يجب على المسلم أن ينظر بعين الإعتبار إلى مامضى من عمره، وماذا قدم فيه، وماهي نجاحاته وسقطاته، وكيف يمكن الإستعداد للعام الجديد، لهذا كان هذا اللقاء مع الأستاذ الدكتور محمد محمد داود، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس.

*بداية.. ماذا تقول مع بداية العام الهجري الجديد؟
**إن ذهاب عام ومجيء آخر أمر يستدعي منا الوقوف مع أنفسنا وقفة جديّة للمحاسبة الصادقة؛ ذلك أنَّ مَنْ غفل عن نفسه؛ تَصَرَّمَتْ أوقاته، واشتدت عليه حسراته، وأيّ حسرة على العبد أعظم من أن يكون عُمُره عليه حجة، وتقوده أيامه إلى مزيد من الردى والشِّقْوَة؟! إنَّ الزمان وتقلباته أنصح المؤدِّبين، وإن الدهر بقوارعه أفصح المتكلمين، فانتبهوا بإيقاظه، واعتبروا بألفاظه، وقد ورد في الأثر: (أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا).

*وكيف يمكن محاسبة النفس؟
**محاسبة النفس تنقسم إلى قسمين: قسم قبل العمل، وقسم بعده، أما الأول؛ فهو أن يقف العبد عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له أيمضي أم يترك، قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: "رحم الله عبدًا وقف عند همه، فإن كان لله؛ مضى، وإن كان لغيره؛ توقف".
أما القسم الثاني -وهو محاسبة النفس بعد العمل-؛ فهو ثلاثة أنواع: الأول: محاسبة النفس على طاعة قصرت فيها في حق الله تعالى، فلم تؤدِّها على الوجه المطلوب، وحق الله في الطاعة ستة أمور وهي: 1- الإخلاص، 2- متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، 3- النصيحة لله، 4- شهود مشهد الإحسان في هذه الطاعة، 5- شهود منّة الله عليك في توفيقك لهذه الطاعة، 6- شهود تقصيرك فيها، فيحاسب العبد نفسه: هل وفَّى هذه المقامات كلَّها في كل طاعة يقوم بها أم لا؟
الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرًا من فعله، الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد لِمَ يفعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة فيكون ذلك رابحًا، أو أراد به الدنيا وعاجلها فيخسر ذلك الربح، ويفوته الظفر به؟
وتكون محاسبة النفس على هذا النحو الذي ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: أولاً: البدء بالفرائض، فإذا رأى فيها نقصًا؛ تداركه، ثانيًا: ثم المناهي، فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئًا؛ تداركه بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، ثالثًا: محاسبة النفس على الغفلة، ويتدارك ذلك بالذكر والإقبال على الله، رابعًا: محاسبة النفس على حركات الجوارح؛ من كلام اللسان، ومشي الرجلين، وبطش اليدين، ونظر العينين، وسماع الأذنين، وغيرها، ماذا أردت بهذا؟ ولمن فعلت؟ وعلى أي وجه فعلته؟

*كيف ترى فضل شهر الله المحرم؟
** هو خير الأشهر.. عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير؟ وأي الأشهر أفضل؟ فقال: "خير الليل جوفه، وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم" (مسلم )، ومن فضله رغَّب النبي في صيامه، فقال: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم".
وعن قتادة: أن الفجر الذي أقسم الله به في أول سورة الفجر، هو فجر أول يوم من المحرم تنفجر منه السنة، ولما كانت الأشهر الحرم أفضل الأشهر بعد رمضان أو مطلقًا، وكان صيامها كلها مندوبًا إليه كما دلنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بعضهم ختام السنة الهلالية، وبعضهم مفتاحًا لها، فمن صام شهر ذي الحجة -سوى الأيام المحرم صيامها منه- وصام المحرم فقد ختم السنة بالطاعة وافتتحها بالطاعة.. فيُرجى أن تكتب له السنة كلها طاعة، فإن من كان أول عمله طاعة، وآخره طاعة، فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين.
قال ابن المبارك: (من ختم نهاره بذكر كتب نهاره كله ذكرًا). يشير هذا القول إلى أن الأعمال بالخواتيم، فإن كان البداءة والختام ذكرًا فهو أولى أن يكون حكم الذكر شاملاً للجميع، ويتعين افتتاح العام بتوبة نصوح تمحو ما سلف من الذنوب السالفة في الأيام الخالية.

*ماهي الأهداف التي يجب على المسلم أن يضعها نصب أعينه في العام الجديد؟
**لاشك أنّ الغالبيّة من المسلمين وغير المسلمين سيكون هدفهم مع بداية عام جديد جمع المزيد من المال بأيِّ طريقة كانت، وهناك من يهدف إلى الحصول على أعلى الشهادات والأوسمة، وهناك من يَطْمَحُ في قصر مُنيف، أو سيارة فارهة أو زوجة ذات حسن وجمال ومنصب، أو غير ذلك من الأهداف الواهية
وعودًا على بدء، إخال من كانت هذه غاية مبتغاة -من بني قومي- فقد شارك غيره من بني صهيون وعلمان ومجوس وبقية حثالة الغرب والشرق في نوعية هذا الهدف!!، كيف لا، وهو قد شاركهم الطموح ذاته؟! أليس الجميع منهم يبحث عن ثراء ومنصب وزوجة فقط؟! يبذل الغاليَ والنفيس في سبيل الحصول على ذلك.
نعم، أعتقد أن في الأمر متسعًا، ولا أطلب من الجميع الرُّكُونَ والكسل حتى لا يطالهم ذلك الاتهام، ولكن {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]. هذا ما أريد الوصول إليه، فبعد الفرض نتفرغ للنفل، نتفرغ للفروع والمتغيِّرات، ولكن بعد أن نؤدي الأصول والثوابت، لم لا يكون هدف كل مخلوق رضا الله عنه في كل فعل يفعله؟ فيكون جمعه للمال من أجل رضا الله، ويرغب في الوصول للمنصب ليفعل ما يُرْضِي الله، ويريد الزواج طَمَعًا في رضا الله، فرضا الله يدخل في أي شيء، ولا يمكن لأيِّ شيء أن يدخل في رضا الله!!
أتمنى من جميع إخواني المسلمين عَقْدَ العزم مع بداية صفحة جديدة من عام جديد -ولكنه من الأجل قريب- على وضع رضا الله تعالى نصب أعينهم في كل أمر يُقْدِمُون عليه.
*كلمة أخيرة؟
**يجب على المسلمين أن يستفيدوا من العام الماضي، وأن يضعوا نصب أعينهم أن الحياة تحسب بما حققه المسلم من إنجازات ونجاحات، فعلينا جميعا أن نعمل على نصرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن نأتمر بامره ونتنهي بنهيه، وأن نقيم حدوده، ونكون على العهد.

علينا جميعا أن نبذل قصارى جهدنا لرفعة شأن أمتنا في مواجهة أمم الكفر والإلحاد، وأن ننحي جانبا خلافاتنا ومشاحناتنا، وأن نقف جميعا على قلب رجل واحد في مواجهة الباطل وأهله.